الفصل الأول: اتخاذ قرارات مبنية على المعلومات

الهدف

للوعي بأهمية تحليل بيئة العمل فيما يتعلق بالأمن. لتعلّم طرق مختلفة لإجراء التحليلات المتعلقة بالسياق وأصحاب المصلحة.

بيئات عمل المدافعين عن حقوق الإنسان

يعمل المدافعون عن حقوق الإنسان عادة في بيئات معقّدة، حيث يتواجد عدد متنوع من الفاعلين، وحيث التأثير العميق لعمليات اتخاذ القرار السياسي. ويمكن أن تحدث عدة أشياء في نفس الوقت مع تأثير كل حدث على الآخر. وفي هذا السيناريو، فإنّ ديناميكية كلّ جهة فاعلة أو ذات مصلحة تلعب دورا أساسيا في علاقة إحداها بالأخرى. لذلك يحتاج المدافعون عن حقوق الإنسان لمعلومات لا تتعلق بالقضايا المتعلقة مباشرة بعملهم فحسب، بل يحتاجون لمعرفة مواقف الفاعلين وأصحاب المصلحة.

وكتمرين بسيط، يمكن تنظيم مجموعة نقاش "شحذ ذهني" تحاول تشخيص وجمع قائمة بجميع الفاعلين السياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين الذين يمكن أن يكون لهم تأثير على وضعكم الأمني القائم.

تحليل بيئة العمل

من المهم قدر الإمكان معرفة وفهم المحيط الذي تعمل فيه. إنّ تحليلا جيدا لهذا المحيط يتيح إمكانية اتخاذ قرارات واعية بشأن نوعية قواعد وإجراءات السلامة التي يجب تطبيقها. من المهم أيضا تحديد تصورات لسيناريوهات مستقبلية وذلك بغرض اتخاذ إجراءات وقائية أينما يكون ذلك ممكنا.

غير أن التحليل البسيط لمحيط عملك يبقى غير كاف، إذ أنّه يجب عليك أن تقدر إلى أي حدّ يمكن أن يؤثر أي تدخل في الوضع، وكيف تتفاعل بقية الأطراف مع بعضها البعض. ومن المهم أيضا الأخذ بعين الاعتبار أبعاد سيناريو العمل. ويمكنك أن تجري تحليل على المستوى الشامل (macro) لبلد أو منطقة، ولكن يجب عليك أن تستنتج كيفية تحرك هذه الديناميكات الشاملة في المنطقة التي تعمل فيها،أي الديناميكات الجزئية (micro dynamics). فإنّ القوات شبه العسكرية، على سبيل المثال، داخل منطقة محلية معينة قد تتصرف بطريقة مختلفة عن التوقعات المبنية على تحليل إقليمي أو وطني. لذا يجب أن تكون واعيا بمثل هذه الخصائص المحلية. كذلك من المهم تجنّب أن يكون لك وجهة نظر ثابتة فيما يتعلق بسيناريو العمل، لأنّ الأوضاع تتطور وتتغيّر. لذلك يجب مراجعة ذلك بصورة منتظمة.

طرح الأسئلة، وتحليل ميدان القوى(Force Field Analyses)، وتحليل أصحاب المصلحة (Stake holder Analyses): ثلاث طرق ناجعة لتحليل محيط العمل:

طرح الأسئلة

يمكنك أن تفهم محيط عملك بسهولة أكبر إذا طرحت حوله الأسئلة الوجيهة. وهذه أداة عمل ناجعة لإحداث مناقشة عامة داخل مجموعة صغيرة، ولكن هذه الطريقة لن تكون فاعلة إلاّ متى ما صيغت الأسئلة بطريقة تسهل الوصول إلى حل.

لنفترض مثلا أن تحرش السلطات المحلية قد أصبح مشكلة. فعندما يتم صوغ سؤالا مثل "ماذا يمكن عمله لتقليص هذا التحرش؟" فقد تجدون أنفسكم تبحثون عن علاج لظاهرة التحرش.

ولكن عندما تصوغ سؤالك بحيث يؤشر على نتيجة معينة، فإنّك ستجد نفسك على طريق إيجاد حل حقيقي. مثلا عندما تسأل هل أنّ محيطنا السياسي والاجتماعي آمن بما فيه الكفاية للقيام بعملنا؟" فهنا لن تجد سوى إجابتين: نعم أو لا.

إذا كانت الإجابة "نعم" تصبح في حاجة لصياغة سؤال آخر يساعدك على تحديد والفهم الجيد للقضايا الشائكة ذات الصلة بضمان سلامتك. ولكن إذا كانت الإجابة "لا" - وذلك بعد وضع في الاعتبار مختلف الأنشطة القائمة والمخططات والموارد المتاحة والتشريعات والمفاوضات والمقارنة مع نشطاء آخرين في المنطقة..الخ – فان ذلك في حدّ ذاته سيقود إلى حل للمشكلة المتعلقة بأمنك.

استعمال طريقة طرح الأسئلة:

أبحث عن الأسئلة التي يمكن أن تساعدك على وضع الإصبع على القضايا الشائكة وفهمها جيدا بشكل يضمن لك أمنك. قم بصياغة الأسئلة على النمط المؤدي لإيجاد حلول وجيهة. كرر هذا العملية كلما اقتضت الحاجة (عبر النقاش)

أسئلة عملية يمكن طرحها:

ما هي القضايا الرئيسية المطروحة في الساحة الاجتماعية-السياسية أو الاقتصادية؟ من هم أصحاب المصلحة الرئيسيين المرتبطين بتلك القضايا الأساسية؟ كيف يمكن لعملنا أن يؤثر إيجابا أو سلبا على مصالح أصحاب المصلحة أولئك؟ كيف يمكن أن نتصرف إذا أصبحنا مستهدفين من قبل أي من هؤلاء الفاعلين نتيجة لعملنا؟ هل أنّ المحيط الاجتماعي-السياسي آمن بشكل كاف للقيام بعملنا؟ كيف كان رد فعل السلطات المحلية/الوطنية على عمل سابق مرتبط بنفس الموضوع قام به مدافعون عن حقوق الانسان؟ كيف كان رد فعل أصحاب المصلحة الرئيسيين على عمل سابق أو مشابه قام به مدافعون أو غيرهم متعلق بنفس المواضيع؟ كيف كان رد فعل الصحافة والمجتمع في ظروف مشابهة؟ الخ...

تحليل ميدان القوى

إنّ تحليل ميدان القوى هي تقنية يمكنها مساعدتك بصريا في التعرف على كيفية قيام القوى المختلفة بمساعدتك أو عرقلتك في تحقيق أهداف عملك. وهي تكشف كلا من قوى المساندة والمقاومة، وتعمل على فرضية أن مشاكل الأمن يمكن أن تنتج عن قوى المقاومة، وأنّه يمكنك الاستفادة من قوى المساندة. ويمكن لهذه التقنية أن تتم عبر شخص واحد، ولكنها تكون أكثر فاعلية إذا استخدمها فريق متنوع لديه هدف عمل واضح ومنهج لتحقيق ذلك الهدف.

ابدأ برسم سهم أفقي يتجه نحو مربع. اكتب ملخص عن هدف عملك في المربع. ذلك سيتيح التركيز لكشف القوى المساندة والمضادة. ثم ارسم مربعا آخر أعلى السهم المحوري، وعدد فيه جميع القوى المحتملة التي يمكن أن تحول دون تحقيقك لهدف العمل المحدد. ثم ارسم مربّع مماثل يحتوي على جميع القوى المساندة المحتملة اسفل السهم. وارسم مربعا أخيرا للقوى التي لها اتجاه غير معروف أو غير مؤكد.

الرسم 1: تحليل ميدان القوى لتقييم بيئة العمل

بعد إتمام الرسم يأتي الوقت لتقييم النتائج. إنّ تحليل ميدان القوى يساعدك على التشخيص البصري للقوى التي تتعامل معها. والهدف هو إيجاد طرق لتقليص خطر القوى المضادة أو القضاء عليه، وذلك يتم جزئيا عبر مساعد القوى المساندة. وفيما يتعلق بالقوى مجهولة الاتجاه، فانك ستحتاج لأن تقرر إمّا أن تعتبرها مساندة أو أن تتابعها باستمرار لالتقاط دلائل عنها إن كانت ستصبح صديقة أم عدوة.

مثال

لنفترض أنّك تنتمي إلى منظمة تعنى بحقوق السكان الأصليين في الموارد الطبيعية الموجودة في أراضيهم. وهناك نزاعات قائمة بين عدد من أصحاب المصلحة فيما يتعلق باستغلال هذه الموارد. وتريد الآن أن تمد عملك إلى محيط مجاور يواجه مشاكل مشابهة.

تحليل الفاعلين (أو أصحاب المصلحة)

إنّ تحليل الفاعلين أو أصحاب المصلحة هي طريقة مهمّة للحصول على مزيد من المعلومات المتاحة عند اتّخاذ قرارات متعلقة بالحماية. وذلك يتضمن تحديد ووصف مختلف الفاعلين أو أصحاب المصلحة والعلاقات فيما بينهم، وذلك بناء على ميزاتهم ومصالحهم – وربط كل ذلك بموضوع حماية محدد.

إن صاحب المصلحة ذو العلاقة بالحماية هو أي شخص أو مجموعة أو مؤسسة ممن لهم مصلحة أو دور في النتيجة المتعلقة بمجال الحماية.

إنّ دراسة أصحاب المصلحة هي السبيل إلى فهم :

  • ماهية صاحب المصلحة وفي أي ظرف تتأثر مصلحته.
  • العلاقة بين أصحاب المصلحة المحميين وخصائصهم واهتماماتهم
  • كيف يمكن أن يتأثروا بنشاطات الحماية
  • رغبة كل واحد من اصحاب المصلحة في أن يندرج في نشاطات الحماية هذه.

يمكن أن نصنّف أصحاب المصلحة المحميين كما يلي:

أصحاب المصلحة الأصليين: هم المدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم ومن يعمل معهم والذين يتم العمل من أجلهم، لأنّهم جميعا لديهم مصلحة أساسية في حماية أنفسهم.

أصحاب المصلحة الذين يتحملون مسؤولية حماية المدافعين، وهم:

  • مؤسسات الحكومية والدولة (بما في ذاك قوات الأمن، والقضاة، والمشرّعين...الخ)
  • الهيئات الدولية والتي تتضمن مسؤولياتها تكليف الحماية، مثل بعض هيئات الأمم المتحدة، الهيئات الحكومية الإقليمية، قوات حفظ الأمن...إلخ.
  • في حالة وجود قوات مسلحة معارضة، فانهم يتحملون مسؤولين في عدم الاعتداء على المدافعين (مثلهم مثل السكان المدنيين) خاصة إذا كانت هذه القوات تسيطر على المنطقة.

أصحاب مصلحة رئيسيين يمكنهم التأثير الفاعل على حماية المدافعين.

ويمكن أن يكون لهم تأثير سياسي أو قدرة على الضغط على المسؤولين أصحاب المصلحة الذين لا يتحملون مسئوليتهم في حماية المدافعين (مثل حكومات الأخرى أو الهيئات الأممية أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر... الخ) وكذلك البعض منهم من الذين يتورطون عادة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الضغط على المدافعين أو مهاجمتهم (مثل الشركات الخاصة أو وسائل الإعلام أو كذلك حكومات أخرى). كل هذا يعتمد على سياق ومصالح واستراتيجيات كل واحد من أصحاب المصلحة الأساسيين أولئك. إنّ قائمة غير مستفيضة يمكن أن تتضمن:

  • الهيئات الأممية (عدا تلك المكلفة)
  • اللجنة الدولية للصليب الأحمر
  • حكومات أخرى أو مؤسسات متعددة الأطراف ( سواء المانحين أو صانعي السياسات)
  • جهات فاعلة مسلحة أخرى
  • المنظمات غير الحكومية (وطنية أو دولية)
  • الكنائس والمؤسسات الدينية
  • الشركات الخاصة
  • وسائل الإعلام

ان الصعوبة الأساسية في تحديد الاستراتيجيات أو الأنشطة التي ستتخذ من قبل أصحاب المصلحة تكمن في كون العلاقات فيما بينهم غير واضحة، أو ربما تكون غير موجودة إطلاقا. العديد من أصحاب المصلحة المسؤولين عن الحماية – وخصوصا الحكومات و قوات الأمن والقوات المسلحة المعارضة – يتسببون أو يساهمون في انتهاكات حقوق الإنسان وانعدام الحماية للمدافعين. بعض من أصحاب المصلحة الذين بطريقة أو بأخرى يحملون نفس القلق بشأن الحماية يمكن أن يكون لهم تنافس في المصالح مثلما هو الحال بين بعض الحكومات الأخرى، والهيئات الدولية، والمنظمات غير الحكومية. هذه العوامل – بالإضافة لتلك المتأصلة في سيناريوهات النزاعات - ترسم صورة معقدة للإطار العام برمّته.

تحليل التغيّر في الهياكل وعمليات القرار والتنفيذ

أصحاب المصلحة ليسوا فاعلين ثابتين. بل يرتبطون ببعضهم البعض في مستويات مختلفة ليصنعوا شبكة معقدة من العلاقات. وفيما يتعلق بمسألة الحماية فمن المهمّ إدراك العلاقات التي تشكل و تغير احتياجات الحماية لدى الناس. ويمكن أن نتحدث عن الهياكل وعمليات القرار والتنفيذ.

الهياكل هي أجزاء مترابطة في كل من القطاع العام، والمجتمع المدني، والهيئات الخاصة. وسننظر إليهم من زاوية موضوع الحماية. في القطاع العام يمكن أن ننظر للحكومة باعتبارها مجموعة من الفاعلين إما تجمعهم استراتيجية موحدة أو تتنازعهم استراتيجيات داخلية مختلفة. يمكن مثلا أن نجد فوارق قوية بين وجهات نظر وزارة الدفاع و وزارة الشؤون الخارجية عندما يتعلق الأمر بسياسات تعنى بشؤون المدافعين عن حقوق الإنسان، أو بين مكتب حارس الحقوق "الامبودسمان" والجيش. الهياكل يمكن أن تتكون من خليط من العناصر مثلا يمكن تشكيل لجنة مختلطة (عناصر من الحكومة، ومنظمات غير حكومية، والأمم المتحدة، وهيئات الديبلوماسية) لمتابعة وضعية الحماية لمنظمة ما لمدافعين عن حقوق الإنسان.

عمليات اتخاذ القرار والتنفيذ هي سلسلة القرارات والأنشطة المتخذة من قبل هيكل مؤسسي أو أكثر بهدف تحسين وضعية الحماية بالنسبة إلى مجموعة ما. وهذه يمكن أن تكون عمليات تشريعية أو ثقافية أو سياسية. وليست كل المسارات ناجعة لتحسين الحماية: ففي كثير من المناسبات تكون عمليات متضاربة أو تتسبب في سلب فاعلية بعضها البعض. فمثلا قد يرفض الناس الذين يدعى بأنهم محميون عملية الحماية التي تقودها الحكومة لأنّهم يرون بأنها تتضمن هدفا غير معلن هو إزاحة الناس قسريا من إحدى المناطق. ويمكن للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية مؤازرة الأفراد في هذه العملية.

تحليل أصحاب المصلحة

هناك العديد من الطرق التي تتيح أجراء التحليل المتعلق بأصحاب المصلحة. الطريقة التالية تعتمد منهجية مباشرة هي بمثابة المفتاح للحصول على نتائج جيدة لعمليات التحليل وصنع القرار.

عند تقييم عمليات الحماية من المهمّ أن ننظر إليها من زاوية الوقت المناسب، ونأخذ دائما بعين الاعتبار مصالح وأهداف كل أصحاب المصلحة فيها.

تحليل أصحاب المصلحة في أربع مراحل:

1-حدد القضية الأوسع في موضوع الحماية ( أي الوضعية الأمنية لمدافعين حقوق الإنسان في منطقة ما في بلد ما).

2-من هم أصحاب المصلحة؟ (بالتحديد: من هم المؤسسات والمجموعات والأفراد الذين عليهم مسؤولية أو لديهم مصلحة في الحماية؟) حدد وضع قائمة بكل أصحاب المصلحة المعنيين بمسألة الحماية، وذلك عبر لجان الشحذ الذهني والنقاش.

3-ابحث وحلل الطبائع والمميزات الخاصة لكل من أصحاب المصلحة، مثل المسؤوليات في الحماية، والقدرة على التأثير على وضعية الحماية، والأهداف والاستراتيجيات، والمشروعية، والاهتمامات (بما يشمل إرادة المشاركة في الحماية).

4-بحث وتحليل العلاقات بين أصحاب المصلحة.

بعد الانتهاء من هذه التحاليل، ربما ترغب في استعمال المصفوفة التالية:

ضع في مصفوفة قائمة بكلّ أصحاب المصلحة الذين لهم علاقة بقضية حماية معينة (انظر جدول 2 ): كرر نفس القائمة في العمود الأوّل وعلى طول الصف الأوّل. بعد ذلك يمكنك القيام بنوعين من التحاليل:

  • تحليل مميزات كل صاحب مصلحة.(الأهداف- الاهتمامات- الاستراتيجيات- الشرعية والقوة)، املأ المربعات على الخط المائل حيث يتقاطع كل صاحب مصلحة مع نفسه.

مثال:

يمكنك وضع أهداف واهتمامات واستراتيجيات المجموعات المسلحة المعارضة في المربع "A".

  • لتحليل العلاقات بين أصحاب المصلحة املأ المربعات التي تبيّن العلاقات الأكثر أهمّية فيما يرتبط بموضوع الحماية، مثال ذلك التقاطع بين الجيش ومفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين في المربّع "B"، وهكذا.

بعد ملء المربعات الأكثر صلة بالقضية، ستحصل على صورة للأهداف والاستراتيجيات والتقاطعات بين أصحاب المصلحة الأساسيين في علاقتهم بموضع محدد يتعلق بالحماية.